في كتاب ( البداية والنهاية ) ذكر المحدث ابن كثير ذكر أحوال الفاتح العظيم قتيبة بن مسلم ( ت ٩٦ هـ ) الذي فتح بلاد ما وراء النهر ، وذكر مكانته العظيمة وشجاعته وإقدامه وحسناته الكثيرة في الإسلام .
ولكنه مع ذلك ، ماذا قال فيه ؟! تأملوا معي ماذا قال .
قال الحافظ ابن كثير عن الفاتح العظيم قتيبة بن مسلم بسبب خروجه على الخليفة ( الحاكم المتغلب الذي جاء للحكم عن طريق التوريث ) / سليمان بن عبد الملك :
( ولكن زلّ زلة كان فيها حتفه ، وضلّ ضلّة رَغُمَ فيها أنفه ، وخلع الطاعة فبادرت المنية إليه ، وفارق الجماعة ، فمات ميتة جاهلية ) .
تخيل معي :
فاتح عظيم ، له حسنات عظيمة في الإسلام ، شجاع ، مقدام ، ضحى بعمره من أجل نصرة الإسلام والمسلمين .
ومع ذلك كله :
فبمجرد خروجه على ( ولي الأمر ) ، فإن هذا كله لم يشفع عند الحافظ ابن كثير ، فأصبح قتيبة بن مسلم يتصف بالصفات التالية عنده :
١ - ضال .
٢ - مات ميتة جاهلية .
طبعاً الحافظ ابن كثير قال بعدها بأنه لعل الله يكفر عنه سيئاته بسبب أعماله الصالحة ودعا الله أن يغفر له ويسامحه ويعفو عنه ويتقبل منه مناجزة أعداء الإسلام .
لكن ما يهمنا في هذا النص هو :
عدم تسامح الحافظ ابن كثير في مسألة ( الخروج على الحاكم ) وعدم مجاملة أحد أبرز من نصروا الإسلام !
مع أن الخليفة في ذاك الزمان ليس من الخلفاء الراشدين ، وليس ( عمر بن عبد العزيز ) .
إنه سليمان بن عبد الملك :
- حاكم متغلب على الحكم بالسيف .
- حاكم وراثي جاء عن طريق التوريث وليس عن طريق الشورى أو اختيار أهل الحل والعقد .
ومع ذلك :
فإن مقتل هذا ( الفاتح العظيم ) في خروجه على ( الحاكم الوراثي المتغلب ) هو ( ميتة جاهلية ) ، وهذا الفاتح العظيم ( ضال ) عند الحافظ ابن كثير .
لم يقم الحافظ ابن كثير بـ ( الموازنة بين الحسنات والسيئات ) لهذا الفاتح العظيم .
وهذا النص وأمثاله من نصوص أهل العلم في تبديع المخالفين وتضليلهم من أعظم الردود على دعاة ( الموازنة بين الحسنات والسيئات ) .
قد يقول قائل :
إذن حكم عبد الله بن الزبير والحسين بن علي رضي الله عنهما وسعيد بن جبير رحمه الله أنهم ( ضلال ) وماتوا ميتةً جاهلية .
فالجواب على ذلك أن نقول :
أولاً : هؤلاء الصحابة والعلماء عندنا ليسوا كغيرهم من الناس من أمثال قتيبة بن مسلم .
فنحن نفرق في الحكم : بين العالم وبين الجاهل الذي يطلب الدنيا ، ونفرق بين العالم المتبع للسنة وبين صاحب البدعة .
فالأحكام التي أطلقها أهل العلم على الخوارج بأنهم ( كلاب النار ) و ( ضُلاَّل ) و ( مبتدعة ) و ( يموتون ميتةً جاهلية ) لا يطبقونها على العالم الذي وقع في ( الزلة ) أو البدعة ) أو وافق فرقة من الفرق في مسألة من مسائلها أو ضلالة من ضلالاتها .
وإليك بعض أقوال أهل العلم في التمييز والتفريق بين العالم وغيره في الوقوع في البدعة والضلالة :
١ - قال الإمام ابن القيم رحمه الله :
( من قواعد الشرع والحكمة أيضاً أن من كثرت حسناته، وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر؛ فإنه يحتمل لهما لا يحتمل من غيره، ويعفى عنه ما لا يعفى عن غيره ) مفتاح دار السعادة لابن القيم .
٢ - قال الحافظ الذهبي رحمه الله :
( فلو أننا أهدرنا كل عالم زلّ لما سلم معنا إلا القليل ) . تاريخ الإسلام للذهبي .
وقال أيضاً :
( ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، و علم تحريه للحق، و اتسع علمه، و ظهر ذكاؤه، و عرف صلاحه وورعه و اتباعه، يغفر له زلته، و لا نضلله و نطرحه، و نرجو له التوبة من ذلك ) سير أعلام النبلاء للذهبي .
وقال أيضاً :
( ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده ـ مع صحة إيمانه وتوخيه لاتباع الحق ـ أهدرناه و بدعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه و كرمه ) سير أعلام النبلاء .
وقال أيضاً :
( الكمال عزيز، وإنما يمدح العالم بكثرة ما له من الفضائل، فلا تدفن المحاسن لورطة، ولعله رجع عنها، وقد يغفر باستفراغه الوسع في طلب الحق، ولا قوة إلا بالله ) سير أعلام النبلاء .
فالسلفيون يفرقون بين ( العالم ) و ( الجاهل ) ، ويفرقون بين ( صاحب السنة ) و ( صاحب البدعة ) ، ويفرقون بين من يطلب الدنيا والسلطان إذا اشتركا في الوقوع في البدعة أو الضلالة .
فالعالم المتبع للسنة والسلفي صاحب السني إن وقع في ضلالة أو بدعة ، فإنه يُعذر لموافقته السنة في أغلب أحواله ، ولا يُطلق عليه أحكام أهل البدع ولا يوصف بما يُوصَف به أهل البدع من أوصاف .
أما صاحب البدعة والذي وقع في بدع كثيرة أو كانت أصوله غير سلفية ولم يكن من أهل العلم ، فإنه لا يُعذر كما يُعذر العالم المتبع للسنة .
وأما طالب الدنيا والسلطان ، فإنه لا يُعامَل كما يُعامَل العالم وصاحب السنة .
ثانياً : عبد الله الزبير لم يخرج على يزيد إلا لأنه يعتقد بأنه كافر غير مسلم كما قال الإمام ابن باز رحمه الله .
والحسين رضي الله عنه قد تراجع عن خروجه ودخل في الجماعة ورضي بولاية يزيد بن معاوية كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
بل كان من الأمور التي اختارها قبل مقتله هو القتال في الثغور مع الجيش الذي تحت ولاية يزيد بن معاوية .
ثانياً : عبد الله الزبير لم يخرج على يزيد إلا لأنه يعتقد بأنه كافر غير مسلم كما قال الإمام ابن باز رحمه الله .
والحسين رضي الله عنه قد تراجع عن خروجه ودخل في الجماعة ورضي بولاية يزيد بن معاوية كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
بل كان من الأمور التي اختارها قبل مقتله هو القتال في الثغور مع الجيش الذي تحت ولاية يزيد بن معاوية .
والله أعلم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق